علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

115

نسمات الأسحار

واعلم أن مواهب اللّه من أعظم أمانة وقس الشاهد على الغائب ، وكما أنك تختار لحفظ وديعتك الشخص الأمين كذلك جل جلاله لا يطلع أحد على أسراره إلا من اختاره من المقربين . حكى عن حماد بن سلمة أنه قال : سمعت في بعض الليالي صوتا وتنفسا صعدا وكانت ليلة باردة شاتية ، وتكرر الصوت مرة بعد أخرى فخرجت إلى الباب ووقفت زمانا وإذا بالصوت من دار أرملة ذات أيتام في جواري فقلت : كأن بهم جوعا فأخذت طبقا عليه من كل شئ وسمعتها تقول : اللهم أنت تعلم السر وأخفى وإني قد عاهدتك أن لا أسأل مخلوقا والأيتام قد طووا أياما وليالي قال حماد : فدققت الباب ، فقالت : حماد إن شاء اللّه ، قال : قلت : نعم ، قالت : فما القصد ؟ قلت : أتيت بطبق عليه مأكل للأيتام فقالت بنت لها سباعية : بئس ما فعلت يا أماه أظهرت المخلوق على حالنا بصوتك ارجع أيها الرجل فو اللّه لا نأخذ إلا من كف الرحمن لا نريد واسطة بيننا وبينه . فلا ألبس النعماء وغيرك ملبسى * ولا أقبل الدنيا وغيرك واهب قال : فصغرت نفسي في عيني . ونظير قول هذه البنية ما حكاه القشيري في التحبير عن بعضهم أنه قال لبعض أصحابه : ائتني بباقلاء فلما أتى به كان بين يديه سنور مهزول ، قال : فألقى إليه شيئا من ذلك فلم يأكل فلما طرح القشر مضى السنور يأكله فقال في نفسه : ما أحسنه لم يأكل بالتعزز وقد أعطيت شيئا ثم ذهب يلتقط من القمامات قال : فغفى غفوة فرأى السنور فيما يرى النائم على صورة حسنة ، فقال : لم لا تأكل بالعز وأكلت بالذل ؟ قال : فصاح في وجهه وقال : أمرنا أن لا نأخذ بالواسطة . فتدبر هذه الإلهامات حتى فيمن لا يعقل من الحيوانات ، فسبحان من بيده زمام التوفيق يقود من اختاره إلى خدمته وليس أحد نائل مراده بحوله وقوته ، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا ووفقنا لاتباع سبيل أهل التقوى أولئك الذين هدى اللّه فيا فوز من بهداهم اقتدى فإنه لن يجيرنا منك أحد ولن نجد من دونك ملتحدا . * * *